محمد هادي معرفة

21

التمهيد في علوم القرآن

ذلك ، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض ، فدلّ ذلك العاقل على عجز القوم ، مع كثرة كلامهم واستجابة لغتهم ، وسهولة ذلك عليهم ، وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته ، لأنّ سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله ، وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه ، وأسرع في تفريق اتباعه من بذل النفوس ، والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال . وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات ، ولهم القصيد العجيب ، والرجز الفاخر ، والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة ، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور ، ثمّ تحدّى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم فمحال - أكرمك اللّه - أن يجتمع هؤلاء كلّهم على الغلط في الأمر الظاهر ، والخطأ ، المكشوف البيّن مع التقريع بالنقص ، والتوقيف على العجز ، وهم أشدّ الخلق أنفة ، وأكثرهم مفاخرة ، والكلام سيّد عملهم ، وقد احتاجوا إليه ، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض ، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة ، وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثا وعشرين سنة ( مدة رسالته صلى اللّه عليه وآله ) على الغلط في الأمر الجليل المنفعة فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفون ويجدون السبيل إليه ، وهم يبذلون أكثر منه « 1 » . التحدّي في خطوات : لقد تحدّى القرآن عامة العرب ، مذ نشأ بين ظهرانيهم ، وهم لمسوه بأناملهم فوجدوه صعبا على سهولته وممتنعا على يسره ، فحاولوا معارضته ولكن

--> ( 1 ) الإتقان : ج 4 ص 5 - 6 . وله كلام تفصيلي آخر في إثبات إعجاز القرآن ، ذكره في رسالته ( حجج النبوّة ) : ص 144 فما بعدها . وقد نقله صاحب الإعجاز في دراسات السابقين : ص 158 - 162 .